الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
13
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
قبله ؛ وإن جريت على شمول البأس للعذابين كانت إعادة فعل يُنْذِرَ تأكيدا ، فكان عطفه باعتبار أن لمفعوله صفة زائدة على معنى مفعول فعل يُنْذِرَ السابق يعرف بها الفريق المنذرون بكلا الإنذارين ، وهو يومئ إلى المنذرين المحذوف في قوله : لِيُنْذِرَ بَأْساً شَدِيداً [ الكهف : 2 ] ويغني عن ذكره . وهذه العلة أثارتها مناسبة ذكر التبشير قبلها ، وقد حذف هنا المنذر به اعتمادا على مقابله المبشر به . والمراد ب الَّذِينَ قالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً هنا المشركين الذين زعموا أن الملائكة بنات اللّه ، وليس المراد به النصارى الذين قالوا بأن عيسى ابن اللّه تعالى ، لأن القرآن المكي ما تعرض للرد على أهل الكتاب مع تأهلهم للدخول في العموم لاتحاد السبب . والتعبير عنهم بالموصول وصلته لأنهم قد عرفوا بهذه المقالة بين أقوامهم وبين المسلمين تشنيعا عليهم بهذه المقالة ، وإيماء إلى أنهم استحقوا ما أنذروا به لأجلها ولغيرها ، فمضمون الصلة من موجبات ما أنذروا به لأن العلل تتعدد . والولد : اسم لمن يولد من ذكر أو أنثى ، يستوي فيه الواحد والجمع . وتقدم في قوله : قالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً سُبْحانَهُ * في سورة يونس [ 68 ] . وجملة ما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ حال من الَّذِينَ قالُوا . والضمير المجرور بالباء عائد إلى القول المفهوم من قالُوا . و ( من ) لتوكيد النفي . وفائدة ذكر هذه الحال أنها أشنع في كفرهم وهي أن يقولوا كذبا ليست لهم فيه شبهة ، فأطلق العلم على سبب العلم كما دل عليه قوله تعالى : وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ لا بُرْهانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّما حِسابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ [ المؤمنون : 117 ] . وضمير بِهِ عائد على مصدر مأخوذ من فعل قالُوا ، أي ما لهم بذلك القول من علم . وعطف وَلا لِآبائِهِمْ لقطع حجتهم لأنهم كانوا يقولون إِنَّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلى آثارِهِمْ مُقْتَدُونَ [ الزخرف : 23 ] ، فإذا لم يكن لآبائهم حجة على ما يقولون فليسوا جديرين بأن يقلدوهم . كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْواهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِباً استئناف بالتشاؤم بذلك القول الشنيع .